بقلم سونيتا راباي
سوق الإسكان قبل إصلاح نظام التمويل العقاري
في عام 2007، كان امتلاك منزل في المملكة العربية السعودية يعني شيئاً واحداً لا غير: دفع الثمن كاملاً نقداً. ولم يكن يمتلك منزلاً سوى 22% من المواطنين، فيما كان غالبيتهم بين مستأجر أو مقيم مع والديه في منزل الأسرة.
يقول وليد المرشد، الرئيس القطري السابق لمؤسسة التمويل الدولية في المملكة العربية السعودية، متذكراً تلك المرحلة: "لقد كانت ثقافة نقدية بامتياز. وكان الناس يدخرون حتى يجمعوا ثمن المنزل كاملاً، أو يشترون أرضاً ويشيدون عليها ببطء. أما البنوك، فكانت تحجم عن الإقراض العقاري هرباً من المخاطر".
يستحضر كينروي داورز، أخصائي الإسكان في مؤسسة التمويل الدولية آنذاك، حجم هذا التحدي، قائلاً: "لم يكن ثمة سوق للتمويل العقاري. وكان التمويل السكني الوحيد المتاح يأتي من صندوق التنمية العقارية الحكومي، الذي كانت قوائم الانتظار فيه تمتد أحياناً إلى 10 سنوات".
ومع وجود أكثر من نصف السعوديين دون سن 24 عاماً، والتوسع الحضري والعمراني سريع الوتيرة، باتت الحاجة ملحّة إلى مساكن ميسورة التكلفة تلائم الفئات الشابة. وعلى الرغم من متانة الاقتصاد الوطني، فإن المملكة كانت تفتقر إلى الخبرة التقنية اللازمة لبناء منظومة حديثة لتمويل الإسكان.
مؤسسة التمويل الدولية وبناء سوق تمويل الإسكان في المملكة
رأت مؤسسة التمويل الدولية في غياب سوق التمويل العقاري ما هو أعمق من مجرد أزمة إسكان؛ إذ كان ذلك ثغرة حقيقية في البنية التحتية للأسواق المالية في المملكة. وكانت معالجتها تستلزم إنشاء المؤسسات المختصة، وصياغة الأطر النظامية (القانونية) الملائمة، وفتح أبواب الوصول إلى أسواق رأس المال.
واعتماداً على خبرتها الواسعة في أسواق متنوعة تمتد من المكسيك إلى الهند، واستجابةً لطلب الحكومة السعودية، عملت المؤسسة بشكل وثيق مع البنك المركزي لإرساء دعائم سوق التمويل العقاري، وأقامت حواراً فاعلاً ومستمراً مع البنوك والمطورين وسائر أصحاب المصلحة وكل مختص وذي شأن.
جاءت نقطة التحول حين وجدت شركة دار الأركان للتطوير العقاري، أكبر المطورين العقاريين في المملكة، أن خططها الطموحة لإقامة مجمعات سكنية واسعة النطاق تتعثر أمام محدودية خيارات التمويل المتاحة للمشترين.
ولمواجهة هذا التحدي، أقامت المؤسسة، بدعم من الحكومة السعودية، شراكة مع دار الأركان والبنك العربي الوطني لتأسيس الشركة السعودية لتمويل المساكن عام 2007، لتكون أول شركة تمويل عقاري خاصة في المملكة. والتزمت المؤسسة بضخ ما يصل إلى 100 مليون ريال سعودي (27 مليون دولار) في صورة استثمارات مباشرة، ودعت مؤسسة التمويل العقاري الهندية لتوفير الخبرة اللازمة في إدارة مخاطر وعمليات الائتمان.
جدير بالاعتبار أن هذه الإستراتيجية اتسمت بالشمول وتعدد الجوانب؛ إذ ارتكزت على إقامة مؤسسة للتمويل العقاري والسكني من الصفر، ودعم إصدار نظام (قانون) حديث للتمويل العقاري بمساندة حكومية، وإطلاق منتجات تمويل عقاري متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية انسجاماً مع القيم الدينية السعودية، وكل ذلك في سياق موازٍ لجذب رؤوس الأموال الخاصة من البنوك والمطورين العقاريين.
ومن خلال تعظيم الاستفادة من أسواق رأس المال للحصول على تمويل طويل الأجل عبر سندات الشركات والأوراق المالية المضمونة بالرهون العقارية - ومن بينها أول عملية توريق في المملكة العربية السعودية لأصول التمويل السكني والعقاري بالشراكة مع دار الأركان - أسهمت الشركة السعودية لتمويل المساكن في تحفيز نمو أسواق الدين في المملكة، وقدمت نموذجاً يُحتذى به في كيفية توظيف أسواق رأس المال لضمان استدامة التمويل السكني والعقاري.
تأثير بارز لسوق التمويل العقاري على ملكية المنازل
شكّل الاستثمار والدعم التقني المقدم من مؤسسة التمويل الدولية نقطة تحول حقيقية؛ إذ أثبتت الشركة السعودية لتمويل المساكن أن تمويل الإسكان المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية قادر على النجاح، ورسخت ريادتها في حلول أسواق رأس المال، وحفّزت الإصلاح التنظيمي، وأسهمت في دخول شركات قطاع خاص في هذا القطاع.
جدير بالذكر أن نسبة ملكية المنازل قفزت من 22% عام 2007 إلى 60% بحلول عام 2020، وأسهمت هذه الطفرة في تسريع وتيرة التوسع الحضري والعمراني وتعزيز قطاعات متعددة كالبناء والتصنيع ذي القيمة المضافة، وخاصة صناعة الأثاث ومواد البناء، فضلاً عن دعمها لمسار التنويع الاقتصادي.
بحلول عام 2030، يُتوقع أن يمتلك نحو 70% من السعوديين منازلهم الخاصة، وهو تحول جذري لم يستغرق سوى جيل واحد.
يصف وليد المرشد، الرئيس القطري السابق للمؤسسة في المملكة، هذا التحول الثقافي بقوله: "لقد كانت فكرة جديدة كلياً؛ إذ لم تعد مضطراً إلى الانتظار سنوات لامتلاك منزلك والعيش فيه"، مضيفاً أن "هذه الفرصة فتحت أبواباً لكثير من السعوديين لشراء أول منزل لهم، وتكوين أسرهم، والاستقلال عن منازل ذويهم"، ومشيراً إلى أن ذلك "أدى إلى إحداث تغيير نوعي في حياة الناس".
التوافق مع رؤية المملكة 2030
جاء نجاح الشركة السعودية لتمويل المساكن تجسيداً لرؤية المملكة 2030. هذه الرؤية تُولي أهمية محورية لرفع نسب ملكية المنازل وتنويع الاقتصاد وتنشيط دور القطاع الخاص.
بحلول عام 2022، أصبحت الشركة السعودية لتمويل المساكن لاعباً رئيسياً في السوق، وتم طرحها للاكتتاب العام، ومهدت الطريق لدخول الشركات الأخرى إلى هذا القطاع. وتخارجت المؤسسة بعد الاكتتاب العام الأولي الناجح للشركة بقيمة 423 مليون دولار، بعد أن أنجزت مهمتها المتمثلة في إحداث تغيير منهجي مستدام على مستوى المنظومة.
في هذا السياق صرح كينروي داورز، أخصائي الإسكان في المؤسسة، قائلاً: "لقد جاء إنشاء هذا السواق الرائد تجسيداً لإستراتيجية المؤسسة الأوسع نطاقا لخلق الأسواق". وأضاف: "لقد قمنا بتطوير منتجات الإسكان المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بدلا من التمويلات العقارية التقليدية وأنشأنا حلا لأسواق رأس المال"، مشيراً إلى أن "الجمع بين وجود جهة راعية وملتزمة بهذا التوجه مع خبرة المؤسسة كان العنصر الأبرز لتحقيق هذا النجاح".
بدوره علق طارق المرشد قائلاً: "أنا فخور بما قمنا به لأننا ساعدنا في تأسيس شركة قوية، وأنشأنا هذا السوق الواعد، وساعدنا آلاف الأسر على امتلاك منازل".
وفقا للبنك المركزي السعودي، بلغ إجمالي القروض العقارية القائمة من البنوك التجارية حوالي 965 مليار ريال سعودي (257 مليار دولار) في أكتوبر/تشرين 2025، وشكلت قروض التجزئة أغلبية هذه القروض. في هذا الشهر وحده، أصدرت البنوك أكثر من 13.5 مليار ريال سعودي (3.6 مليار دولار) في صورة تمويل عقاري سكني جديد للأفراد.
فواز بلبيسي، المدير الإقليمي للمؤسسة المسؤول عن المملكة العربية السعودية والعراق وسوريا ذلك لخص ذلك قائلاً: "أظهرت مسيرة المملكة ما يمكن تحقيقه عندما يوجد الالتزام المدعوم بالقدرات والإمكانات مع قيام المؤسسة بدور فاعل في تحقيق تضافر الجهود بين القطاعين الحكومي والخاص”.
وأضاف: "إننا الآن نطبّق هذه المعرفة لإنشاء أسواق مماثلة في الاقتصادات الصاعدة الأخرى، اعتماداً على الخدمات التي نقدمها قبل طرح الاستثمارات، وتعزيز إمكانية الحصول على التمويلات البنكية، وتفعيل دور أدوات تخفيف المخاطر كالضمانات والتمويل المختلط. كما نعمل على توجيه رأس المال الخاص السعودي نحو مبادرات عابرة للحدود ترسّخ مكانة الشركات المحلية بوصفها رائدةً عالمية تتسع دائرة تأثيرها لتتخطى حدود المملكة".